مير سيد علي الحائري الطهراني ( المفسر )

17

تفسير مقتنيات الدرر

تعبد فيه مريم قرب جبل صهبون ولا يعلم في أهل زمانها أحد أشدّ اجتهادا وعبادة منهما . وأوّل من عرف حمل مريم يوسف فتحيّر في أمرها فكلَّما أراد أن يتّهمها ذكر صلاحها وعبادتها وأنّها لم يغب عنه ساعة قطَّ وأنّها ما فترت عن العبادة وقتا وإذا أراد أن يبرأها رأى الَّذي ظهر بها من الحمل فتكلَّم يوما وقال : إنّه وقع في نفسي من أمرك يا مريم شيء أخبريني يا مريم هل نبت الزرع بغير بذر وهل تنبت شجرة من غير غيث وهل يكون ولد من غير ذكر ؟ قالت : نعم ألم تعلم أنّ اللَّه أنبت الزرع يوم خلقه من غير بذر وهذا البذر إنّما حصل من الذرع الَّذي أنبته من غير بذر ألم تعلم أنّ اللَّه أنبت الشجرة من غير غيث وبالقدرة جعل الغيث حياة الشجر بعد ما خلق كلّ واحد منهما على حدة أو تقول : إنّ اللَّه لا يقدر على أن ينبت الشجرة ويخلق الزرع حتّى استعان بالماء والبذر ولولا ذلك ما كان قادرا ؟ فقال يوسف : لا أقول هذا ، ولكنّي أقول : إنّ اللَّه قادر على ما يشاء فيقول : كن فيكون . فقالت له مريم : ألم تعلم أنّ اللَّه خلق آدم وامرأته من غير ذكر ولا أنثى ؟ فعند ذلك البيان زالت الشبهة عن قلب يوسف وكان ينوب عنها في خدمة المسجد بسبب الحمل . فلمّا دنا نفاسها أوحى اللَّه إليها أن أخرجي من أرض قومك لئلَّا يقتلوا ولدك فاحتملها يوسف إلى أرض مصر على جماز له فلمّا بلغت تلك البلاد أدركها النفاس فألجأها إلى أصل نخلة وذلك في زمان برد فوضعت عندها . والحديث الصحيح أنّها خرجت بأمر اللَّه إلى كربلا في ليلة واحدة ووضعت ورجعت في ليلتها . وقيل : السبب في خروجها أنّها كانت مشهورة في بني إسرائيل بالزهد وتشاحّ الناس في تربيتها ثمّ تكفّل زكريّا بها ولأنّ الرزق يأتيها من عند اللَّه وهذه الأمور والمزايا كلَّها في نهاية الشهرة استحت من هذه الواقعة فذهبت إلى مكان بعيد لا يراها زكريّا . وهذه الوجوه كلَّها محتملة وليس في القرآن ما يدلّ على شيء من السبب . ومعنى المخاض تمخّض الولد في البطن وحركته للولادة . قال في الكشّاف : جذع نخلة يا بسة كانت في الصحراء على اختلاف الصحراء وليس